رؤية حزب رابطة أبناء اليمن (رأي)

لنظام الحكم الأصلح لليمن

 

نص مقتبس من (المشـروع الـوطنـي للإصـلاح الشـامـل فـي اليمـن) 

 

 

ثانيـاً:   نظام الحكم:

        يوجد في العالم المتقدم أو الذي قطع شوطاً نحو التقدم ثلاثة أنظمة للحكم.. كما توجد أنظمة خارج هذا السياق في كثير من دول العالم الثالث..

1]      النظام الرئاسي الكامل.. وهو القائم على أن رئيس الدولة هو رأس السلطة التنفيذية ولا وجود لرئيس وزراء.. فمهام الرئيس تشمل رئاسته للحكومة أو للإدارة كما تسمى في الولايات المتحدة الأمريكية.. وبالتالي فإن الرئيس عرضة للنقد والمحاسبة والمحاكمة بصفته المسؤول الأول عن إدارة الحكومة.. وأشهر دولة تعتمد هذا النظام هي الولايات المتحدة الأمريكية.

2]      نظام برلماني كامل.. وهو الذي يتولى الحكم فيه حزب الأغلبية المطلقة في البرلمان أو ائتلاف من حزب الأغلبية النسبية مع من يتفق معه من الأحزاب بحيث يشكلان /أو يشكلون معاً الأغلبية المطلقة في البرلمان (السلطة التشريعية) ويرأس الدولة إما ملك في البلدان الملكية أو رئيس يتم انتخابه من السلطة التشريعية في الغالب..

ورئيس الدولة يمثل سيادة الدولة ولا يزاول المهام التنفيذية.. وبالتالي فإن رئيس الوزراء و/أو أعضاء حكومته هم الذين تتم محاسبتهم ومراقبتهم برلمانياً.. وأشهر الدول المملكة المتحدة وألمانيا وهولندا وبلجيكا وتركيا وماليزيا وأسبانيا وإسرائيل.

3]      نظام مختلط رئاسي ـ برلماني.. وهو الذي يتقاسم السلطة التنفيذية فيه رئيس الدولة المنتخب من الشعب ،بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مع رئيس الوزراء الممثل لحزب الأغلبية البرلمانية.. ويحدد الدستور والقوانين صلاحيات كل منهما.. وفي الغالب فإن رئيس الدولة يتولى مسئولية النواحي السيادية.. مثل العسكرية.. والسياسة الخارجية.. وينسق في ذلك مع الحكومة.. كما تتولى الحكومة النواحي التنفيذية الأخرى وفي أحيان كثيرة يأتي الرئيسان من حزبين مختلفين.. وأشهر الدول التي تعتمد هذا النظام فرنسا.

4]      النظام الرابع.. ،في دول العالم الثالث،.. وهو الذي يتولى فيه الرئيس رئاسة الدولة بصفته الرأس الأعلى للسلطة التنفيذية.. وفي نفس الوقت يعين رئيس وزراء أو رئيس مجلس وزراء يتولى رئاسة الحكومة.. ولرئيس الدولة سلطات تنفيذية واسعة تفوق ،في الغالب، سلطات رئيس الوزراء وكلاهما من حزب واحد إلا إذا رأى الرئيس أن يعيّن شخصاً من خارج حزبه ويعمل وفق برنامج حزبه مع وجود سلطة تشريعية لا فعل أو أثر حقيقي لها.

والغريب أن الذي يراقبه ويحاسبه البرلمان (السلطة التشريعية) هو رئيس الوزراء الذي لا يقوم بشيء أصلاً إلا بتوجيه رئيس الدولة.

5]      النظام الخامس.. ،في دول العالم الثالث،.. قد يتولى رأس الدولة رئاسة الحكومة أو يعين رئيساً لها يعطيه بعض الصلاحيات ولا محاسب لأي منها.. وهذه أنظمة بالذات تجري مراجعات وتتجه إلى إنشاء مجالس شورى أو برلمانات معينة أو منتخبة ،جزئياً أو كلياً، ولا فعل حقيقي لها وهي إما أن تملك صلاحيات استشارية أو تملك شيء من الصلاحيات التشريعية وفق توازنات يمسك بخيوطها رأس الدولة .

ما هو النظام الملائم لبلادنا ؟..

تلك أنظمة الحكم السائدة في العالم.. ونرى أن علينا أن ندرس بعناية ما يلائم بلادنا من الأنظمة الثلاثة الأولى القائمة على أسس ديمقراطية حقيقية..

أ) نرى أن النظام المختلط لا يناسب بلادنا.. فحدود رسم الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء والعمل بها متعذرة في مثل بلداننا.. والمحاسبة ثبت غيابها.. وتم تهميش السلطة التشريعية.. فلا أثر لها في أي قضية ولا قدرة لها حتى على إلزام الحكومة بتنفيذ ما تلتزم به أمامها.

ب) أما النظام الرئاسي الكامل فسينجح في بلادنا إن تم في إطار فصل حقيقي وجاد للسلطات.. واعتماد إقامة نظام الدولة المركبة وفصل الخدمة المدنية عن الحكومة ومنع أي تأثير أو نفوذ لها عليها.. وإلغاء الإعلام الرسمي.. وإقامة نظام قضائي مستقل وقوي ونافذة أحكامه وله مكانته واحترامه التي لا تقل عن رأس الدولة وسلطتها التنفيذية.. عند ذلك يمكن الأخذ بالنظام الرئاسي القائم في الولايات المتحدة عندما نقوم في نفس الوقت باعتماد نظام الدولة المركبة وفصل السلطات الأخرى فيها من قضائية وتشريعية...الخ.. وهو نظام مرن ومتقدم ويعطي صلاحيات واسعة لرئيس الدولة، محكومة بالالتزام بالقانون وبمعايير العملية الديمقراطية والشفافية ويخضع للنقد والمحاسبة.

جـ) أما النظام البرلماني فهو يهيئ نظاماً رقابياً ومحاسبة حازمة للحكومة ويعطيها صلاحيات تنفيذية كاملة.. وهو أيضاً ملائم إن أخذنا بنظام الحكم اللامركزي وفق نظام الدولة المركبة. 

وجميع تلك الأنظمة تعتمد الفصل الحقيقي بين السلطات.. وفصل الخدمة المدنية والإعلام عن الحكومة، واعتماد نظام الدولة المركبة في الغالب منه.

 في غياب التوازن الفعلي بين فئات ومناطق الوطن ،سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتنموياً، فإن أي حديث ،عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والشفافية ونبذ التطرف ،بأشكاله المختلفة، وعن تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والدور الإيجابي لبلادنا في المنطقة والعالم ورعاية وتبادل المصالح مع الآخرين...الخ، هو حديث لا جدوى منه ولا فعل ولا أثر له، بل مضيعة للجهد والوقت وارتهان للتخلف وإذكاء للتطرف والعنف والإرهاب والصراعات وتهييج لعوامل التمزق والتشظي.

وإن هذا التوازن المطلوب لا يمكن مطلقاً أن يكون له وجود إيجابي إلاَّ بالتحديد الدستوري الواضح الذي يعتمد "نظام الدولة المركبة"-لامركزية الحكم- و"نظام الحكم -الرئاسي أو البرلماني-".

وقد ينبري من يقول أن الأنظمة التي قامت على هذه الأسس قد قطعت أشواطاً كبيرة واستغرقها ذلك قروناً.. ونقول أنهم ما كان لهم أن يحققوا ما حققوه من امتلاك عوامل التقدم والنهوض المادي والعلمي إلا لأخذهم بتلك الآليات واعتمادهم لتلك الأسس التي اعتمدوها كأسس منذ النشأة الأولى لديمقراطياتهم ثم استمروا ،ولازالوا، في تطوير الأدوات والوسائل التي تمكن آلياتهم من مواكبة النهوض والتقدم في المجالات المختلفة . وليس صحيحاً ،مطلقاً، أنهم استغرقوا قروناً لتحديد الأسس والمنطلقات . كما إن آليات ووسائل وأدوات الديمقراطية تلك وافدة منهم وليس علينا أن نعيد تجاربهم السابقة بل أن نبدأ من حيث انتهوا ونُكًـيِّف الأدوات والوسائل بما يتلاءم مع قدراتنا وإمكاناتنا.

وقد يأتي من يقول أن الديمقراطية ثقافة وتربية وسلوك ولا بد من أن نربي أنفسنا وأجيالنا عليها؟!.. ونقول إن الديمقراطية آلية لتنظيم علاقات سوية بين الناس وأن أسسها قائمة على أمور فطرية ،فطر الله الناس على تعشقها، مثل الحرية والعدل والمساواة والانتماء والحقوق والواجبات.. وأن ماليزيا لم يستغرقها استيعاب أسسها والأخذ بها سوى بضع سنين ثم انطلقت في بضع سنين لتحقق تقدماً مذهلاً بينما نحن ننادي بها منذ أكثر من نصف قرن.. وأعلنت السلطة قبولها بها منذ (14)عاماً، وكانت كافية لإقامة نموذج.. كما أن الهند التي أصبحت أكبر ديمقراطيات العالم ليست بأحسن حال منّا ،من حيث وعي وثقافة شعبها ومستواه المعيشي،  بل أن تنوّع مجتمعها ،أدياناً ولغات وانقسامات وأعراقاً، وجهلاً وفقراً، لم يحل دون إقامة تجربة ديمقراطية.. ونهضة تقنية.

والعجيب أننا نأخذ بكل ما يفد علينا من غث وسمين مما يحتاج إلى تربية وتدريب ،لإتقانه ولاستخدامه الاستخدام السليم، ونأخذ بما يفد علينا من وسائل تقنية حديثة ،لا نتقن إلا الاستهلاك البدائي لها بلا جدية في فهمها وإتقانها، ولم نرشِّد هذا الاستهلاك ،ريثما نتجه أولاً لإتقان وصيانة ما نستخدم من وسائل وأدوات، بل نستورد أحدث منتجات العصر ،ولا ضير في ذلك، لكن إن أخذنا بمنطق أن الآخرين قد سبقونا بقرون فلماذا لانستورد منتجاتهم القديمة ونتدرج في الاستيراد للأحدث على مدى زمني؟!! .. ولكن عندما يتعلق الأمر بحقوق فطرية للناس استحوذ عليها المتنفذون وأقاموا أنفسهم أوصياء على أناس ليس منهم من هو أقل أهلية منهم نجد من ينبري ليحكم بأننا غير مؤهلين لرعاية أمورنا وأن شعوبنا تحتاج إلى تربية وثقافة "ديمقراطية" قبل أن يمارسوا حقهم الفطري في الحرية والديمقراطية!! فكيف سيتقنون قبل أن يُمكنوا من الممارسة؟! ومن الذي أقام أصحاب هذا المنطق كأوصياء على الشعوب يحكمون بعدم أهليتها؟! ومن أين لهم تلك الأهلية لإصدار هذه الأحكام؟! وكيف لا تستطيع شعوبنا ما استطاعته شعوب أخرى كانت ،إلى وقت قريب، أكثر تخلفاً وأقل ثقافة وأكثر فقراً وتمزقاً من شعوبنا؟؟! ثم يقفز سؤال أهم: ألا يحتاج من يُسَـيِّر شؤون الناس ،بعيداً عن شروط الحرية والديمقراطية الحقيقية والمحاسبة، إلى ثقافة وتربية وسلوك تؤهله لأن يحقق شروط إقامة الحكم السليم الصالح العادل..وتؤهله لأن يحدد ويقيس هذا التدرج المزعوم؟!! إن الجواب المنطقي: أن من يتولَّون شؤون الحكم بهذه الأساليب هم الأكثر حاجة لثقافة وتربية في شؤون الحكم السوي الرشيد، التـي لا بد أن تقودهم ،إن وُجِدت، إلى سرعة القبول بالإصلاحات الشاملة والعميقة المطروحة.

و قد ينبري قائل آخر بأنهم قد اكتسبوا خبرة طويلة أهَّلتهم وصقلتهم.. وهنا لا بد من الاعتراف بذلك ،إن قادتهم تلك الخبرة إلى استيعاب الضرورات الملحة للإصلاحات الفعلية، بل إنهم بذلك سيجعلون كُلْفة تلك الإصلاحات قليلة وعملية تنفيذها أيسر وأسرع.

أما إن رفضوا وسوَّفوا فإن ذلك سيضع علامات استفهام كبيرة على ما اكتسبوه من خبرة طويلة، وسيلقي بظلال كثيفة على ماهية تلك الخبرة، وعلى ماهية ثقافة الحكم التي اكتسبوها، وهل تشكِّل عاملاً إيجابياً ليساهموا في إصلاحات أم أنها عامل إعاقة للإصلاحات؟.. فإن شكَّلَت تلك الخبرة الطويلة عامل إعاقة لنجاح شراكة في الإصلاحات ،فهل تؤهلهم للاستمرار في التفَرُّد في هذه المرحلة الحاسمة من مسيرة التطور الكونية أم أنها خبرة سنة تكررت هي نفسها لسنوات كثيرة ستقودهم وتقود الوطن بهم إلى كارثة التمزق والصراعات؟.. من جهتنا فإننا سنكون الأكثر سعادة إن قادتهم خبرتهم تلك إلى استيعاب الضرورة الملحة والحتمية للإصلاحات.